صدر للدكتور المغربي محمد الزعري الجابري، المشتغل حاليا بكندا بعد فترة اشتغال سابقة بالمغرب، مؤلف عنونه بـ
وقدمّه كـ”صوت للخرسَى وسط نظام صحيّ يسير بسرعتَين”.”Les chroniques d’un neurochirurgien schizophrène”،
“أخبروني على الدوام بأننا، نحن البشر، نولد مرّتين.. الأولى عند مغادرتنا بطون أمهاتنا، بينما الثانية تؤجّل حتى الوصول إلى الوعي بالغاية من وجودنا.. فكان ذلك فضلا في معانقتي الحياة لثاني المرات، بعد سنوات تيه وسط هذا العالم حين علمت سبب وجودي بين الناس.. لم أتخيل، في أي يوم من الأيام، أن البؤساء الأميين القابعين هناك، في المنفى، سيتمكنون من إعادة تربيتي، ويفلحون في جعلي أفتح عيوني.. أنا الطبيب المتعلم الناطق بلغات المعمور” يقول الزعري ضمن الكتاب الصادر عن Presse interuniversitaires.
الطبيب المغربي المشتغل بلافَال الكنديّة، ويدرّس بجامعتها للطب في إقليم الكِيبِيك، هو حاصل على الدكتوراه ضمن تخصص جراحة الدماغ و الأعصاب من كلية الطب و الصيدلة بالرباط ، كما درس بكلية الطب “باريس ديكَارت”، وهو حاليا طبيب مقيم مختص في الأمراض العقلية والنفسية بالجامعة الكنديَّة.. كما يواظب محمد على كتابات مجموعة من المقالات بعدد من الجرائد عبر العالم، ووهب حياته للعمل الإنساني الذي ينخرط ضمنه منذ عِقد كامل بغرض مساعدة المرضى و الدفاع عن حقوقهم، ومن بين إطلالاته على الناس تلوح مبادرة “سَال الطبِيب قْبل لمجرّب” على اليُوتُوب، وهي التي سبق أن واكبت هسبريس حلقاتها بالإدراج ضمن محتواها الإعلامي.
يفيد كتاب الدكتور الجابري كل متصفح له بأن دفتيه تضمّان حكايات حقيقية، على 77 صفحة، وقعت لمرضَى لاقاهم ببلد يسمَّى “أجمل بلد في العالم”.. من غير إشارة لاسم المغرب، وبقصر مكان الحكي على فضاء شمال إفريقيا.. كما ورد على غلاف الكتاب: “يتخطى الأمر العمد إلى نسج قصص، إذ يرحل بنا المؤلف صوب كل القيم الإنسانية التي اكتسبها بجوار الممحونين وجعلت منه الطبيب الملتزم الحالي.. وهذا العمل يستضر مسار رجل اكتشف إنسانيته أمام معاناة الآخرين، وعرف أنه يمتلك مبادئ وقيما، كالإحساس والحب ، اعتبرها سابقا من مرادفات الضعف .. حتى لا ننسى معاناة الآخرين ونقدر الحظ الذي ننعم به كل يوم، ونتذوق متعة السعادة المهداة إلينا في كل لحظة من عيشنا.. .. هذا الكتاب لأولئك الذين أدارت الحياة ظهرها في وجوههم.. دون سابق إنذار”.
تصنف Les chroniques d’un neurochirurgien schizophrène ضمن كتب السيرة الذاتية، وهو مكون من 11 حلقة متفرقة زمنيا وملتئمة مكانيا.. وحاول الزعري من خلال مؤلفه أن يبصم على تشخيص لواقع السياسة الصحية لـ”أجمل بلد في العالم”، مع وضع الأصبع على جرح منظومتها، خاصة واقع المستشفيات العمومية وحالات مستعجلاتها.. ليلا بصفة خاصة.
ويتطرق ذات المؤلف لغياب المسؤولين عن الأداء المهني بالقطاع الحساس وخلودهم للنوم عوض السهر على راحة وصحة المواطنين، رافضا التزام الصمت إزاء ظواهر وسياسات تقتل مواطنين بقلب مراكز إستشفائية يفترض أن تكون مكانا لإنقاذ الأرواح لا إزهاقها .
وقد حرص الكاتب على إنتقاء كلماته في كل حلقة من الحلقات الــ 11 المكونة للكتاب، عاملا على لفت الانتباه لاندثار قيم الإنسانية النبيلة وانعدام الأحاسيس وغياب المبادئ عن أطر صحية من أطباء وممرضين وإداريين.. فوسط كتاب الزعري الجابري أحداث تدور فصولها بين قاعات الفحص من أقسام المستعجلات، وتارة أخرى بمصلحة الفحص بالأشعة “السكانير”، ثمّ مركبات الجراحة وقاعات الإنعاش.. ليندرج هذا الكتاب في نسق النقد البناء عبر دحض سلوكيات وظواهر أثرت سلبا على أداء “ملائكة الرحمة”.
“هناك محام يعرف القانون بشكل جيد، وآخر يعرف القاضي جيدا” بهذه القولة استهل الكاتب الحلقة الخامسة من إصداره لعام 2015، راسما بورتريها للحالات التي تقصد المركز الصحي قصد التطبيب حين يورد أن “ابن الشعب” هو ذاك المواطن البسيط الذي ينتظر ساعات وأياما قبل أن يلج قاعة الفحص، متحديا كل العراقيل التي تصادفه، من بعد مواعيد رؤية الطبيب، وممارسات رجل الأمن الخاص والإجراءات الإدارية الروتينية.. أمّا البِّيسْطُونِي هو الكائن البشري الذي لا يأتي لوحده، فدائما ما يأتي بصحبة طبيب أو ممرض او إداري قصد تسهيل ولوجه.. وهناك أيضا الكَاوْرِي، السائح الذي يلج المرفق الصحي بدون إجراءات، و قد لا ينتظره دوره ولا يدفع ثمن الإستشارة الطبية مثله مثل “البيسطوني”، وكل ذلك مخافة وقوع أزمنة دبلوماسية مع بلده.
ومن بين ثنايَا سرد الطبيب الجراح المغربي يلوح ما كتبه عن يطو، الطفلة ذات الـ6 سنوات، وحميد الذي يعيش ربيعه الـ28 و “مي فاطنة” المرأة الحديدة، ثم “السي جمال” و”جولييت”.. وكلها شخصيات حقيقية صادفها الزعري خلال فترة تكوينه بـ”مركز إستشفائي في عاصمة أجمل بلد في العالم”… إذ من بين هؤلاء من تمكن محمد من إنقاذ حياته عبر عمليات جراحية تكللت بالنجاح، رغم الإمكانيات الهزيلة المتوفرة، كما منهم من وقف الفقر وضعف التجهيزات اللوجيستيكية، أو حتى غياب سرير بقاعات الإنعاش، لمنعهم من رؤية شمس اليوم الموالي.. مخصصا حكايا مستحضرة لما عاينه من مشاهد ناتجة عن طول الإجراءات الإدارية التي تسبق دخول المرضى للمركب الجراحي الذي تواجد به.
يعتبر كتاب الدكتور محمد زعري جابري من قلائل منتوجات القراءة الورقية التي رصدت اختلالات المنظومة الصحية على لسان أهل الدار، عملا بكون “أهل مكة أدرى بشعابها”.. ومبادرة الدكتور الجراح المستقر حاليا بكندا، والمواظب على قصد المغرب، والمنتظر أن يبصم على إطلالة تلفزية من على برنامج صحي يعرضه التلفزيون العمومي بالمملكة قريبا، أماطت اللثام عن مجموعة من الاختلالات المؤثرة التي يعيشها المستشفى العمومي بـ”أجمل بلد في العالم”.
المؤلف الصادر حديثا، وهو الذي برمجت إجبارية قراءته من لدن طلبة الطب بلاَفَال ابتداء من الموسم الأكاديمي المقبل، يعدّ مصدرا يمكن الارتكاز على تفاصيله في سن سياسة صحية تليق بالمواطنين، عبر محاربة سلوكات غير مقبولة، وتوفير “العامل البشري المواطِن” إلى جانب رصد ميزانيات تليق بتطلعات المرضى والأطباء والممرضين في ضمان رعاية صحية وسط ظروف سليمة.. على غرار “باقي بلدان العالم” التي تحترم مواطنيها.
هسبريس 2015/05/16
Parcourez nos questions les plus fréquemment posées